كتبت زينب محسن في الرّأي...بعد أسابيع من التهويل الإعلامي, سقطت علي الطاهر عبر بيان إسرائيلي, من دون أن تتضح حتى الآن الكيفية التي سقطت بها عسكرياً, وكيف خرج منها عناصر "حزب الله", وما إذا كانت هناك تفاهمات أو صفقة ما أو ترتيبات سبقت الوصول إلى إعلان السيطرة عليها. وعلى الرغم من التصريحات التي تم تداولها عن احتمال التدخل الإيراني واندلاع حرب في حال المساس بعلي الطاهر, إلا أن أياً من هذه السيناريوهات لم يُنفَّذ حتى الآن.

ما عزز هذا الغموض أن "حزب الله" لم يتعامل مع الإعلان الإسرائيلي باعتباره إنجازاً عسكرياً استثنائياً. بل بدا في مواقفه, وفي طريقة مقاربته للخبر, حريصاً على عدم السماح بتحويله إلى انتصار إسرائيلي كبير. فالرواية التي برزت من جانب الحزب ركزت على أن ما يُقدَّم إسرائيلياً على أنه إنجاز استراتيجي هو في جزء منه تضخيم إعلامي وسياسي, يخدم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في تقديم صورة عن تحقيق أهداف ميدانية.
فحتى الآن, يلتزم الطرفان الصمت حيال ما إذا كانت علي الطاهر قد شكلت فعلاً نقطة تحول, أو أنها ستبقى ضمن إطار العملية العسكرية المحدودة التي أعلنتها إسرائيل.
وهنا يصبح الصمت بحد ذاته جزءاً من المشهد. فلا "حزب الله" أعلن عن معركة جديدة, ولا إسرائيل أعلنت انتهاء عملياتها. وبين الطرفين, تبقى المنطقة أمام واقع أمني غير مكتمل, خصوصاً أن إسرائيل نفسها لم توحِ بأن السيطرة على علي الطاهر هي المحطة الأخيرة.
لكن الهدوء النسبي في المواقف السياسية لم ينعكس على الأرض.
فقد وقع حدث أمني جنوباً لا تزال تفاصيله غير واضحة بالكامل, وتضاربت المعطيات حول طبيعته وتوقيته وما إذا كان مرتبطاً مباشرة بالتطورات التي سبقت وتلت السيطرة على علي الطاهر. إلا أن النتيجة الواضحة كانت ارتفاعاً ملحوظاً في مستوى التصعيد الإسرائيلي.
ولم يتوقف التصعيد عند الجنوب, إذ عاد البقاع إلى دائرة الاستهداف بعد أشهر من الهدوء النسبي
وسط هذا المشهد الأمني, يبقى المسار التفاوضي قائماً, لكن من دون موعد واضح للجولة المقبلة.
السؤال الأهم هنا ليس فقط متى ستُعقد الجولة المقبلة, بل بأي شروط ستبدأ. وهل ستدخل التطورات التي حصلت في علي الطاهر والتصعيد الذي تبعها إلى جدول المفاوضات باعتبارها أوراق ضغط إسرائيلية جديدة؟
المشكلة الأساسية أن الموقف الإسرائيلي لا يزال يربط الانسحاب من الأراضي اللبنانية بملف سلاح "حزب الله".
وهذا الربط يضع لبنان أمام معادلة صعبة, لأن استمرار العمليات قد يتحول إلى وسيلة ضغط لإعادة تعريف شروط الانسحاب في كل مرحلة. فكلما تغير الواقع الميداني, يمكن أن تتغير معه الأولويات الإسرائيلية, ما يجعل الوصول إلى نهاية واضحة للمواجهة أكثر صعوبة.
وفي خضم هذا المشهد, يحاول رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون تثبيت الملفات التي يمكن تحقيق تقدم فيها, وفي مقدمتها ملف الأسرى اللبنانيين.
فبعد إطلاق إسرائيل خمسة أسرى لبنانيين كانت تحتجزهم, التقى عون في بعبدا السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى وأعضاء من لجنتي الشؤون الخارجية والقوات المسلحة في الكونغرس الأميركي.
وشكر عون الولايات المتحدة على جهودها في الإفراج عن عدد من الأسرى, مؤكداً ضرورة مواصلة العمل لتحرير جميع الأسرى اللبنانيين المتبقين في السجون الإسرائيلية, وفقاً لما تم الاتفاق عليه خلال الجولة الماضية من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل بمشاركة الولايات المتحدة, ومتابعة لمسار الإطار الثلاثي.
ولم يقتصر اللقاء في بعبدا على ملف الأسرى, إذ بحث عون أيضاً المساعدات الأميركية للجيش اللبناني والاعتمادات المخصصة لها, إضافة إلى إمكان المشاركة الأميركية في مؤتمر دعم الجيش المرتقب عقده في باريس.
وبعيداً عن الملف الجنوبي, بقيت الملفات الداخلية تتحرك أيضاً, وفي مقدمتها قانون العفو العام الذي وقّعه رئيس الجمهورية.
وقد لقي القانون صدى واسعاً لدى السجناء المشمولين به وذويهم, فيما أصدر "سجناء لبنان" بياناً عقب نشره رسمياً, توجهوا فيه بالشكر إلى الرئيس عون
في النهاية, قد تكون المشكلة في علي الطاهر أن الإعلام سبق الميدان, فحُمّلت المرتفعات أكثر مما تحتمل من قراءات وتوقعات, قبل أن تظهر الصورة الكاملة لما جرى.
فإذا هدأ التصعيد, فقد تكون الرسالة أن ما جرى بقي ضمن حدود الضغط العسكري. أما إذا توسعت الضربات واستمر انتقالها بين الجنوب والبقاع, فقد نكون أمام مرحلة مختلفة, عنوانها إعادة رسم قواعد الاشتباك قبل العودة إلى طاولة التفاوض.
وهنا تحديداً يصبح السؤال الحقيقي: هل كانت علي الطاهر نهاية معركة إعلامية ضخّمتها التوقعات, أم بداية مرحلة أمنية جديدة لم تكشف إسرائيل بعد عن كامل أهدافها؟