في لبنان, قد يفصل بين مشهدين متناقضين عشرات الكيلومترات فقط. في مكان, حفلة وأضواء وموسيقى وناس يحاولون أن يعيشوا ليلتهم بشكل طبيعي, وفي مكان آخر, وتحديداً عند مرتفعات علي الطاهر, كان عشرات الرجال عالقين داخل نفق, في مواجهة خطر حقيقي ومصير مجهول.

هذا المشهد يلخّص واحدة من أكثر المفارقات قسوة في الحياة اللبنانية اليوم: بلد واحد, وشعب واحد, لكن واقعان مختلفان تماماً.
لبناني يذهب إلى حفلة, وآخر يترقّب القصف. شخص يرفع هاتفه لتصوير الأغاني والأضواء, وآخر ينتظر خبراً عن مصير من هم تحت الأرض.
ولا تكمن المشكلة في أن يذهب اللبناني إلى حفلة أو يحاول أن يفرح. فالتمسّك بالحياة ليس جريمة, وربما يكون أحياناً الطريقة الوحيدة لمقاومة الخوف واليأس. لكن المؤلم هو أن يصبح التعايش مع الخطر أمراً اعتيادياً, وأن يتحول صوت الانفجار إلى خلفية بعيدة لحياة تستمر وكأن شيئاً لم يحدث.
في لبنان, تعلّم الناس أن يعيشوا بين النقيضين: بين الموت والحياة, بين الخوف والفرح, بين خبر عاجل وموعد حفلة, وبين منطقة تستعد للتصعيد وأخرى تواصل يومها بصورة طبيعية.
إنها ليست ازدواجية في مشاعر اللبناني بقدر ما هي نتيجة لواقع فرض عليه أن يتأقلم مع الأزمات, وأن يبحث عن لحظة فرح حتى عندما يكون الخطر قريباً منه.
لكن السؤال الذي يستحق التوقف عنده ليس: لماذا ذهب اللبناني إلى الحفلة؟
بل كيف أصبح من الطبيعي أن يعيش اللبناني حياته على بُعد عشرات الكيلومترات فقط من مشهد آخر يشبه الحرب؟
ربما هذه هي المأساة الحقيقية في لبنان..أن يصبح الاعتياد على التناقض جزءاً من الحياة اليومية.