كتبت نبيلة شرف الأتات

ليست كلُّ الأرواح التي تصعدُ من الأرض تغادرُها .
بعضُها يصعد كي يُعيد تعريف المكان الذي تركه .
وفي انتقال السيّدة العذراء ,
لا أتوقف كثيراً أمام امرأةٍ صعدت إلى السماء ,بقدرِ ما أتوقّف أمام السؤال الذي تركَته خَلفَها :
ماذا يحدثُ لجسدٍ مرّت فيه حياةٌ أكبر من أن تُروى؟
في الحكايات التي نعرفها ,ينتهي الجسد حين تنتهي الحياة .
لكنّ السيّدة مريم تترك لنا معنى آخر .
ماذا لو لم يكن الجسدُ مجرّد طريقٍ تعبرُ منه الحياة ,بل كان جزءاً من معناها ؟
امرأة حملت ما غيّر معنى الأمومة ,والإنتظار ,والخوف ,
والإحتمال .
لم تكن عظمتها في أنّها لم تتألّم ,بل في أنّ الألم لم يكن الكلمة الأخيرة في حكايتها .
ولهذا حين أفكّر في انتقالها ,لا أراه نهاية لامرأة .
أراه معنىً أعمق :
أنّ ما احتمله الإنسان في الأرض ,
قد يكون أكبر من أن تكون نهايته في الأرض .
السيّدة مريم …
لم تحمل حدثاً عابراً .
حمِلت سرّاً ,وحمِلت انتظاراً ,وحمِلت حياةً كاملة ثمّ مضت في صمتٍ لم يحتج إلى تفسير .
ولعلّ هذا هو أكثر ما يُدهشني فيها :
أنًها لم تكن هامشاً في الحكاية ,بل كانت المكان الذي حدثت فيه .
ولهذا لا أرى في انتقالها مجرّد صعود من الأرض إلى السماء,
بل أرى فيه اعترافاً بأنّ الإنسان لا يُختصر في نهايته,وأنّ الجسد الذي عاش الحب والتعب والإنتظار ,لا يفقد معناه حتّى يتغيّر.
ولعلّ انتقالها …
هو أجمل ما يمكن أن تقوله السماء عن امرأةٍ ,لم تكن الأرض تعرف كيف تتّسع لكلّ هذا النّور الذي حملته.
وفي عيد انتقال السيّدة العذراء…
لا أجد أصدق من أن أترك هذا السؤال معلًقاً :
ماذا يبقى في الإنسان حين تنتهي كل الأشياء التي ظنّ أنها تُعرّفه ؟
ربما يبقى ما لا يستطيع التراب أن يختمه .
ويبقى من مريم …
ما لم تستطع الأرض أن تحتويه .