كتبت زينب محسن في الرّأي..

منذ ساعات الليل, بدا واضحاً أن التصعيد حول علي الطاهر فالقصف المدفعي والغارات الجوية وتحليق المسيّرات ومشاركة مروحيات الأباتشي في عمليات تمشيط مكثفة, كلها مؤشرات إلى أن إسرائيل تتعامل مع المنطقة باعتبارها جزءاً من معركة أوسع لا هدفاً منفرداً, وهذا تحديداً ما يجعل قراءة المشهد من زاوية "التلة" وحدها خطأً سياسياً وميدانياً.
تقول إسرائيل بوضوح إن استمرار الوضع الحالي غير مقبول بالنسبة إليها, ويرفع وزير دفاعها يسرائيل كاتس سقف الخطاب متحدثاً عن عدم ترك أي "حساب مفتوح" والدفاع عن الجنود والمواطنين. لكن خلف هذه اللغة العسكرية تكمن رسالة سياسية أكثر أهمية: تل أبيب تحاول ربط وقف النار وتثبيت التهدئة بمسألة علي الطاهر, أي تحويل السيطرة على نقطة جغرافية إلى شرط ضمن معادلة أمنية وسياسية أكبر, وهنا تحديداً تكمن خطورة المسألة.
إن قبول هذه المعادلة لا يعني ببساطة أن الجيش اللبناني يتسلم تلة وينتهي الأمر, بل قد يعني عملياً تثبيت مبدأ جديد مفاده أن إسرائيل تستطيع, كلما أرادت فرض مطلب أمني معين, أن تستخدم النار لتغيير الواقع الميداني ثم تجعل منه نقطة انطلاق للتفاوض. وهذا أخطر من خسارة موقع جغرافي بحد ذاته, لأن ما يُختبر اليوم هو: من يملك حق رسم حدود المنطقة الأمنية, ومن يحدد قواعد الحركة فيها, ومن يقرر ما إذا كان وقف النار قائماً أم لا؟
من هنا يمكن فهم التحرك الأميركي المتواصل, ولا سيما تنقل الجنرال جوزيف كليرفيلد بين بيروت وتل أبيب؛ فالولايات المتحدة تبدو وكأنها تحاول منع انهيار المسار التفاوضي تحت ضغط الميدان, عبر الانتقال من الحديث السياسي العام إلى آلية عملية للتحقق من انتشار الجيش اللبناني, وتوحيد الخرائط وتحديد المناطق التجريبية وآليات مراقبتها. وهذا يوضح أن المعركة الحقيقية لا تدور فقط حول من يسيطر على علي الطاهر, بل حول شكل المرحلة التي ستأتي بعدها.
إذا نجحت واشنطن في تثبيت آلية تحقق واضحة, وحدود جغرافية متفق عليها, وانتشار لبناني يمكن مراقبته, فإنها تكون قد قطعت الطريق جزئياً أمام إسرائيل لاستخدام الالتباس الجغرافي ذريعة للتوغل مجدداً. أما إذا بقيت الخرائط متضاربة, والحدود غير محسومة, وآلية المراقبة معلقة, فإن كل بلدة أو تلة أو ساتر ترابي يمكن أن يتحول إلى اشتباك جديد.
وهنا تظهر قضية زوطر الغربية كإنذار مبكر؛ فعندما تدخل قوة إسرائيلية إلى منطقة مشمولة بالمناطق التجريبية ثم تبرر وجودها بتداخل عقاري أو جغرافي, فإن المشكلة لم تعد في الدخول نفسه فقط, بل في غياب تعريف موحد لماهية المنطقة التي يُفترض أن تكون خاضعة للانتشار اللبناني. لذلك فإن توحيد الخرائط ليس تفصيلاً تقنياً كما قد يبدو, بل هو جزء أساسي من معركة منع التوسع الإسرائيلي.
ولا يمكن فصل التصعيد عن حسابات نتنياهو الداخلية, خصوصاً مع تراجع شعبيته؛ إذ يحاول عبر التشدد في ملف علي الطاهر استثمار أي إنجاز ميداني لرفع رصيده شعبياً وتقديم نفسه للإسرائيليين كقائد قادر على فرض الأمن وحماية الجنود.
في المقابل, لا يمكن تجاهل أن حزب الله نفسه يتعامل مع علي الطاهر باعتبارها أكثر من مجرد موقع عسكري؛ رفض تسليمها بسهولة يعكس اعتقاداً بأن الموقع يحمل قيمة استراتيجية, وأن تسليمه قد يفتح الباب أمام إعادة تموضع إسرائيلية مشابهة لما حدث في مناطق أخرى. لكن هنا أيضاً تبرز مشكلة أكبر: الخط الأحمر السياسي لا يصبح بالضرورة خطاً أحمر ميدانياً إذا كانت كلفة الحفاظ عليه هي استمرار القصف والتهجير وتوسيع دائرة الاستهداف, وهذه هي المعضلة الأصعب أمام الحزب.
فالمعادلة ليست بين "التسليم" و"عدم التسليم" فقط, بل ينبثق عنها سؤال ثالث أكثر واقعية: كيف يمكن الحفاظ على الموقف السياسي والعسكري من دون إعطاء إسرائيل الذريعة التي تبحث عنها لتوسيع عملياتها؟ وكيف يمكن منع إسرائيل من تحويل رفض الحزب إلى مبرر لقصف مناطق لا علاقة مباشرة لها بالتلة؟
على المقلب الآخر, تقف الولايات المتحدة أمام اختبار حقيقي؛ فإذا كانت واشنطن قد رعت مسار "اتفاق الإطار" وتعهدت بالضغط على إسرائيل والحفاظ على وقف النار, فإن استمرار التصعيد الإسرائيلي من دون ثمن سياسي سيطرح سؤالاً مشروعاً حول مدى جدية هذه الضمانات, إذ لا يمكن أن تكون واشنطن وسيطاً عندما يتعلق الأمر بالمفاوضات, ثم تتحول إلى متفرج عندما تُفرض وقائع جديدة بالنار.
في هذه الأثناء, يظل إدخال إيران مباشرة في المشهد اللبناني من أخطر السيناريوهات الممكنة؛ فعلى الرغم من أن أي تدخل إيراني قد يعيد خلط الحسابات ويفرض على إسرائيل وواشنطن إعادة النظر في تقديراتهما, إلا أن تحويل الجنوب اللبناني إلى ساحة مواجهة إقليمية جديدة سيكون في الوقت نفسه كارثة على لبنان الذي لم يخرج أصلاً من آثار الحرب السابقة!
يتطلب العبور من هذه المرحلة أعصاباً باردة تتجاوز الخطابات الساخنة؛ فإسرائيل تراهن على النار لتغيير المعادلة, وحزب الله يراهن على الصمود لمنع تغييرها, وواشنطن تحاول الإمساك بخيط التفاوض قبل أن ينقطع, فيما يبقى لبنان أمام السؤال الأصعب حول كيفية حماية أرضه ومنع الحرب في الوقت نفسه. والجواب لن يُكتب في تلة واحدة, بل في قدرة الدولة اللبنانية والقوى السياسية والعسكرية على تحويل هذه اللحظة من معركة استنزاف إلى معركة تثبيت للحدود والسيادة والقرار, لأن الجنوب لا يحتمل جولة جديدة من التجارب, ولا يملك رفاهية أن يكون مرة أخرى المكان الذي تُختبر فيه حسابات الآخرين.