كتبت زينب محسن في الرّأي...

لم تكن مفاوضات روما فاشلة بالمعنى المطلق, لكنها بالتأكيد لم تُحقّق الحد الأدنى مما ذهب لأجله الوفد اللبناني. ففي الوقت الذي كان فيه الرهان منصباً على فرض جدول زمني واضح للانسحاب وإعادة الأهالي إلى قراهم, انحصر النقاش الميداني في مساحة ضيقة للغاية؛ واقتصر السقف الدفاعي على محاولة منع إسرائيل من استهداف بلدات كـ "المنصوري" أو توسيع دائرة ردها العسكري, تحت ذريعة ادعاءاتها المكررة بأن "حزب الله" قد خرق الاتفاق.
هذا الانحراف في مسار المحادثات اكتسب غطاءً سياسياً مع دخول الإدارة الأميركية على الخط, والتي سارعت إلى تصدير خطابات تروج فيها لـ "نجاحها" في كبح جماح تل أبيب ومنعها من شن هجوم واسع النطاق. غير أن هذا المنطق الأميركي يحمل في طياته ازدواجية واضحة؛ إذ يُصوَّر ضبط النفس الإسرائيلي المفترض وكأنه إنجاز دبلوماسي, بينما يُغض الطرف عن أصل الأزمة, لتتكشف المعادلة الضمنية التي تدار بها المرحلة: "يحق لإسرائيل ما لا يحق لغيرها".
وهكذا, بدلاً من أن تُفضي جولات التفاوض إلى تثبيت وقف إطلاق النار وفرض سيادة الدولة, تم تقزيم الطموح اللبناني ليصبح مجرد إدارة للمخاطر وتجنب للتصعيد؛ حيث يُطالَب لبنان بتقديم ضمانات وآليات تحقق معقدة, بينما تُمنح إسرائيل هامشاً مفتوحاً لاستغلال الذرائع واستكمال مناوراتها السياسية والميدانية دون ضغط دولي جدي.

يتجلّى هذا الاستنزاف الممنهج في إدخال ملف الأسرى والمعتقلين والمفقودين إلى حلبة النقاش لأول مرة, ليس كخطوة نحو معالجة إنسانية شاملة, بل كعقدة جديدة تُضاف إلى الشروط الإسرائيلية. فمع استغلال تل أبيب لتشتت اللوائح وغياب القوائم الرسمية المكتملة لدى الجانب اللبناني نتيجة ظروف الحرب المعقدة, تعمّدت إقحام ملفات شائكة وملتبسة—كإثارة قضايا مجهولي المصير منذ عقود—بهدف ترحيل أصل المشكلة, وتحويل ملف ذي بعد إنساني ضاغط إلى متاهة تفاوضية بلا أفق زمني أو مخرج قريب. 


وفي الوقت الذي تسعى فيه إسرائيل إلى إغراق الوفد اللبناني بنقاشات تقنية تدور حول مصطلحات وخرائط لا تبدّل من واقع الأرض شيئاً, تتراجع العناوين الكبرى المتعلقة بالجدول الزمني للانسحاب الكامل أو عودة الأهالي المهجرين إلى قرى الحدود. كما تجسّد الرفض الإسرائيلي القاطع لتوسيع رقعة "المناطق التجريبية"—بدءاً من إسقاط طروحات أساسية كبلدات الخيام وبنت جبيل وزوطر—في الإصرار على جمد المسار التفاوضي برنّه عند شرط إكمال آلية "التحقق" وتحديد هوية الجهة الثالثة المراقبة, وهو شرط تحوّل إلى ذريعة جاهزة لكسب الوقت وتفادي أي التزام فعلي بالانسحاب. 

 

ويرتبط هذا الأداء التفاوضي بسباق الوقت السياسي داخل إسرائيل, حيث تتحرك الحسابات الميدانية والدبلوماسية على وقع الانتخابات المبكرة المقرر إجراؤها في أكتوبر المقبل.
فالاستغراق في التفاصيل الفنية وتجميد البتّ في القضايا الأساسية ليسا سوى وسيلة يستغلها رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو لإدارة أزمته السياسية الداخلية, وشراء المزيد من الوقت في مواجهة خصومه ومحاكماته. إذ يُسخَّر هذا التنسيق مع واشنطن والمماطلة التفاوضية لخدمة المشهد الانتخابي, عبر تصدير صورة "المتصلّب" في ملف الشروط الأمنية أمام الناخب الإسرائيلي, ليبقى ملف الأسرى واستعادة القرى والحدود اللبنانية رهينة أوراق الشد والجذب في صناديق الاقتراع المرتقبة!

 

Alraii news online
  • الاقسام
      • محليات
      • قضاء
      • فنون و تراث
      • علوم وتكنولوجيا
      • صحة
      • سياسة
      • رياضة
      • خاص
      • تربية
      • بيئة
      • بلديات
      • بلديات
      • العالم العربي
  • محليات
  • قضاء
  • سياسة
  • رياضة
  • خاص
  • بيئة
  • بلديات
  • إستطلاع رأي
  • فيديوهات
  • اتصل بنا
  • الصفحة الرئيسية
  • سياسة
  • كيف تحوّلت مفاوضات روما إلى مضيعةٍ للوقت؟

كيف تحوّلت مفاوضات روما إلى مضيعةٍ للوقت؟

Aug 07, 2026
كيف تحوّلت مفاوضات روما إلى مضيعةٍ للوقت؟











مقالات ذات صلة
الراعي: لبنان ليس ملكًا لفريق
الراعي: لبنان ليس ملكًا لفريق
عقيص: سلاح
عقيص: سلاح "الحزب" ليس قدراً علينا
جعجع يصعّد: إمّا أن يحلّ «الحزب» أجنحته العسكرية... أو على الدولة أن تحزم أمرها
جعجع يصعّد: إمّا أن يحلّ «الحزب» أجنحته العسكرية... أو على الدولة أن تحزم أمرها
هذا ما حملته أسرار الصحف
هذا ما حملته أسرار الصحف
إعلان
Contact
Bekaa Zahle Lebanon
info@alraiionline.com
+961 8 920711
+961 3 083636
Join with us
جريدة الرأي 2016 ©
Site by MIP