كتبت أسيل درويش

لم يكن مفاجئًا أن تنتهي الحرب إلى طاولة مفاوضات, لكن المفاجئ هو أن تتحول نتائجها إلى أوراق تفاوضية يُراد تثبيتها على الخرائط. فبعد أشهر من العمليات العسكرية, والدمار الواسع الذي طال القرى الجنوبية, والاحتفاظ بمواقع داخل الأراضي اللبنانية, عادت إسرائيل لتُبدي استعدادها لبحث ملف ترسيم الحدود البرية, وهو الملف الذي رفضته لسنوات طويلة.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: لماذا فُتح الملف؟ بل: لماذا فُتح الآن؟ وهل ما يجري هو اعتراف بالحقوق اللبنانية, أم محاولة لإضفاء شرعية سياسية وقانونية على وقائع فرضتها الحرب؟
لا تبدو إسرائيل, في مقاربتها لهذا الملف, وكأنها تقدم تنازلات مجانية أو تبادر إلى تسوية بدافع حسن النيات. فالتجربة التاريخية تشير إلى أن تل أبيب نادرًا ما تدخل أي مفاوضات من دون أن تسعى إلى تحقيق مكاسب استراتيجية تتجاوز حدود الملف المطروح. ومن هنا, يبرز احتمال أن يكون فتح باب التفاوض جزءًا من محاولة أوسع لنقل نتائج الحرب من الميدان إلى الخرائط, ومن القوة العسكرية إلى النصوص القانونية.
خلال الحرب, فرضت إسرائيل واقعًا ميدانيًا جديدًا عبر التوغل في مناطق حدودية, وتدمير أحياء وقرى بكاملها, ومنع عودة السكان إلى أجزاء واسعة من الجنوب. واليوم, يخشى مراقبون أن تتحول هذه الوقائع إلى نقطة انطلاق للمفاوضات, بحيث لا يكون النقاش محصورًا بالنقاط الحدودية المتنازع عليها تاريخيًا, بل يمتد إلى إعادة رسم معادلات أمنية وحدودية جديدة.
وهنا تكمن الخطورة. فإذا أصبحت الوقائع العسكرية مرجعًا للتفاوض, فإن الحدود لن تُناقش انطلاقًا من الاتفاقيات الدولية أو الخط الأزرق, بل انطلاقًا من ميزان القوى الذي فرضته الحرب. وفي هذه الحالة, قد يتحول ما يُعرف بـ"الخط الأصفر" من إجراء عسكري مؤقت إلى واقع سياسي دائم, وهو ما يثير أسئلة جدية حول مستقبل السيادة اللبنانية في المناطق الحدودية.
وفي المقابل, يروّج البعض لأن مجرد قبول إسرائيل بمناقشة ملف الحدود يشكل إنجازًا سياسيًا ودبلوماسيًا. إلا أن قيمة أي تفاوض لا تُقاس بانعقاده, بل بنتائجه. فالمعيار الحقيقي يبقى: هل سيؤدي إلى استعادة الحقوق اللبنانية كاملة, أم إلى تكريس معادلات جديدة فرضتها الحرب؟
ولا يقتصر المشهد على البعد الأمني وحده. فالحدود الجنوبية أصبحت جزءًا من معادلة اقتصادية أوسع ترتبط بمشاريع الطاقة في شرق المتوسط, وبمصالح دولية وإقليمية تسعى إلى توفير بيئة مستقرة للاستثمار. لذلك, فإن أي اتفاق حدودي قد يحمل في طياته أبعادًا تتجاوز ترسيم الخطوط الجغرافية, لتطال التوازنات الأمنية والسياسية والاقتصادية في المنطقة.
من هنا, تبدو المرحلة المقبلة شديدة الحساسية. فالتفاوض, في حد ذاته, ليس مشكلة ولا إنجازًا, بل هو أداة. وما يحدد قيمته هو ما إذا كان سيحفظ الحقوق والسيادة, أم سيمنح شرعية لوقائع فرضتها القوة العسكرية.
في النهاية, لم تعد معركة الجنوب تقتصر على ما جرى في ساحات القتال. فاليوم, انتقلت إلى الخرائط والوثائق وطاولات التفاوض. وإذا كانت الحروب تُحسم بالسلاح, فإن آثارها قد تُكرَّس بالحبر. ولهذا, فإن التحدي الحقيقي أمام لبنان لا يكمن فقط في استعادة كل شبر من أرضه, بل في منع تحويل نتائج الحرب إلى حدود جديدة, أو إلى ترتيبات تنتقص من سيادته وحقوقه. فالمعركة المقبلة قد لا تكون على الأرض وحدها, بل على معنى الأرض وحدودها ومستقبلها.