كتبت أسيل درويش

منذ توقيف حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة, تتوالى الروايات المرتبطة بوضعه الصحي وظروف احتجازه, من الحديث عن حاجته إلى الدواء, إلى الجدل الذي أثير حول بعض تفاصيل حياته داخل السجن. وفي المقابل, يرى كثيرون أن هذه الروايات تحوّلت إلى محور نقاش طغى, ولو مؤقتًا, على القضية الأساسية التي تشغل اللبنانيين منذ سنوات.
ففي نظر شريحة واسعة من الرأي العام, ارتبط اسم رياض سلامة بمرحلة الانهيار المالي التي فقد خلالها مئات آلاف اللبنانيين القدرة على الوصول إلى ودائعهم, وتراجعت قيمة العملة الوطنية, وانعكست الأزمة على مختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية.
من هنا, تبدو أي محاولة لإبراز الجانب الإنساني في ظروف احتجازه موضع انقسام. فبين من يرى أن احترام الحقوق الإنسانية واجب تجاه أي موقوف, بصرف النظر عن الاتهامات الموجهة إليه, ومن يعتبر أن الأولوية يجب أن تبقى لكشف حقيقة ما جرى في القطاع المالي, يبقى مطلب المحاسبة هو العنوان الأبرز.
فاللبناني الذي خسر مدخراته, والموظف الذي فقد جزءًا كبيرًا من قدرته الشرائية, وصاحب المؤسسة الذي أقفل أبوابه, لا ينشغل كثيرًا بتفاصيل الحياة اليومية داخل السجن بقدر ما ينتظر إجابات واضحة: كيف وصلت البلاد إلى هذا الانهيار؟ ومن يتحمل المسؤولية؟ وهل ستصل التحقيقات إلى نتائج شفافة تُفضي إلى محاسبة كل من يثبت القضاء مسؤوليته؟
وفي هذا السياق, لم تؤدِّ الروايات المتداولة عن الوضع الصحي أو ظروف الاحتجاز, وفق ما تعكسه مواقف عديدة على منصات التواصل الاجتماعي, إلى تغيير جوهري في المزاج العام, إذ لا يزال اهتمام كثير من اللبنانيين منصبًا على مسار التحقيقات القضائية أكثر من أي تفاصيل أخرى.
في النهاية, تبقى القضية الأساسية بالنسبة إلى اللبنانيين ليست ظروف توقيف شخص بعينه, بل قدرة الدولة على إحقاق العدالة واستعادة الثقة بمؤسساتها. فالعدالة الحقيقية, بالنسبة لكثيرين, لا تكتمل إلا بكشف الوقائع كاملة, ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته وفقًا للقانون, بعيدًا عن الضغوط أو حملات التأثير على الرأي العام.