كتبت زينب محسن في الرّأي...

لم تكن التفجيرات العنيفة التي شهدها الجنوب اللبناني مجرد حدث أمني عابر, بعدما تحدثت معلومات عن استخدام نحو ٧٠٠ طن من المتفجرات, في مشهد أعاد إلى الأذهان كابوس زلزال عام 1956 الذي ضرب المنطقة الجنوبية ووصلت تداعياته إلى حيفا ونهاريا. ومع تكرار الانفجارات الضخمة, برزت مخاوف مرتبطة بالطبيعة الجيولوجية للمنطقة, خصوصاً مع وجود فوالق نشطة كفالق روم وفالق اليمونة, وسط تساؤلات حول تأثير الارتجاجات الكبيرة على هذه الصدوع واحتمال زيادة الضغط فيها.
إسرائيل تسعى دائماً إلى تقديم نفسها أمام المجتمع الدولي على أنها الطرف الذي يرد على تهديدات تواجه أمنها, مستفيدة من أي حادث أمني لتبرير عملياتها العسكرية. وجاء التصعيد الأخير بعد الحديث عن استهداف جرافة إسرائيلية, رغم أن حزب الله لم يؤكد أو ينفِ مسؤوليته عن الحادثة, ما فتح الباب أمام فرضيات متعددة حول حقيقة ما جرى.
ويرى مراقبون أن استمرار هذا النمط من التصعيد يكرّس معادلة غير متوازنة, حيث تُقدَّم الضربات الإسرائيلية على أنها إجراءات دفاعية, بينما يُنظر إلى أي رد مقابل على أنه تصعيد يهدد الاستقرار. وبين هذه الحسابات, يبقى الجنوب اللبناني والمواطنون فيه يدفعون ثمن المواجهة, وسط مخاوف من عودة المنطقة إلى دائرة حرب مفتوحة.
وفي هذا السياق, جاءت مواقف رئيس مجلس النواب نبيه بري لتعبّر عن تشاؤم حيال مستقبل التفاهمات القائمة. فقد أعلن أن "اتفاق الإطار وُلد ميتاً", معتبراً أن إسرائيل هي التي دفنته, وأن المؤشرات الحالية تدل على أنها ليست في وارد الانسحاب قبل موعد الانتخابات الإسرائيلية. ويعكس كلام بري قناعة بأن المشكلة لا تكمن فقط في الاتفاقات السياسية, بل في غياب الضمانات التي تلزم إسرائيل بتنفيذ أي تفاهمات يتم التوصل إليها.
إقليمياً, تتزامن التطورات اللبنانية مع حراك دولي حول ملف غزة, بعدما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب التوصل إلى اتفاق بشأن نزع سلاح حماس والجماعات المسلحة, ضمن خطة لإنهاء الحرب, مع الحديث عن انسحاب إسرائيلي تدريجي ودور لقوة دولية في تثبيت الاستقرار. هذا المسار قد يفتح الباب أمام إعادة ترتيب ملفات المنطقة, ومنها الملف اللبناني.
أما لبنانياً, فتحمل الرسائل بين الرئيس جوزاف عون والرئيس التركي رجب طيب أردوغان دلالات تتعلق بدعم مؤسسات الدولة والجيش اللبناني, والمساهمة في مرحلة إعادة إعمار الجنوب وتعزيز التعاون الاقتصادي. كما يؤكد الاتصال بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والرئيس بري استمرار الاهتمام الدولي بلبنان.
وبين التصعيد والوساطات, يبقى الجنوب أمام اختبار صعب: فإما أن تنجح المساعي السياسية في منع توسع المواجهة, أو تستمر المنطقة في دفع ثمن صراعات أكبر من حدودها.