كتبت زينب محسن في الرّأي...

في إطار درس الرد, هذا ما أعلنه الجيش الإسرائيلي بعد استهداف "حزب الله" جرافة تابعة لجيش الاحتلال, إذ اعتبر العملية "خرقاً فادحاً" لوقف إطلاق النار, فإسرائيل, التي واصلت منذ وقف النار القصف والاغتيالات والتوغلات والتجريف ونسف المنازل, تتعامل مع الاتفاق وكأنه التزام مفروض على الطرف الآخر فقط, فيما تحتفظ لنفسها بحق تفسيره وفق مصالحها الأمنية والعسكرية.

من هنا, لا تكمن أهمية استهداف الجرافة فقط في العملية بحد ذاتها, بل في ما يمكن أن يترتب عليها. إسرائيل تدرس طبيعة الرد وحدوده, وحتى الآن لم تذهب إلى التلويح بالتصعيد, ما قد يشير إلى رغبة في إبقاء التصعيد ضمن نطاق محسوب, خصوصاً أن المنطقة تقف على عتبة جولة تفاوضية جديدة في روما. لكن هذا لا يعني أن الخطر انتهى, لأن المشكلة الأساسية تكمن في محاولة إسرائيل تثبيت معادلة جديدة: استمرار وجودها العسكري في الجنوب, مع الاحتفاظ بحرية العمل متى اعتبرت أن أمنها مهدد.

وما صرّح به رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير ليس تفصيلاً عابراً. فإعلانه جهوزية الجيش لمختلف السيناريوهات, وتمسّكه بمواصلة العمليات في المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل, مع حديثه عن إمكانية التوغل إلى مناطق إضافية, يكشف أن الانسحاب ليس في مقدمة الحسابات الإسرائيلية. 

وفي الوقت نفسه, تستمر المفاوضات مع الدولة اللبنانية, ما يطرح سؤالاً مشروعاً حول طبيعة هذه المفاوضات: هل هي طريق فعلي نحو الانسحاب, أم وسيلة لإدارة الوقت فيما تستمر إسرائيل في فرض وقائع جديدة على الأرض؟

وهنا تحديداً يصبح التشاؤم الذي عبّر عنه رئيس مجلس النواب نبيه بري مفهوماً أكثر. فبري لم يرَ منذ البداية في "اتفاق الإطار" ضمانة لحل سريع, بل حذّر من المماطلة وتضييع الوقت, خصوصاً أن استمرار الاحتلال يمنع الأهالي من العودة إلى قراهم ويجعل كل يوم إضافي من الانتظار جزءاً من الأزمة. ومع ذلك, لا يبدو أن أمام لبنان خياراً سهلاً بديلاً عن التفاوض.

وفي الداخل, جاء اللقاء الأول منذ أربعة أشهر بين الرئيس جوزاف عون وبري في بعبدا ليعطي إشارة سياسية في هذا الاتجاه.  توقيت الزيارة جعلها أبعد من مجرد اجتماع سياسي عادي. فاللقاء جاء فيما الجنوب يعيش تصعيداً متواصلاً, وإسرائيل تواصل القصف والتجريف والنسف, فيما يقترب لبنان من جولة تفاوضية جديدة في روما. 

وفي هذا السياق تأتي زيارة الرئيس عون إلى تركيا, بعد الاتصالات التي سبقتها مع رئيس الحكومة نواف سلام, ضمن محاولة لبيروت توسيع شبكة الاتصالات السياسية والبحث عن دعم إقليمي يساعد على تثبيت الاستقرار وتعزيز التعاون. كما أن جولة روما المرتقبة لا تأتي في فراغ, بل في لحظة يحتاج فيها لبنان إلى تحويل المفاوضات من مجرد إدارة للأزمة إلى مسار يؤدي فعلياً إلى الانسحاب ووقف الاعتداءات.

لكن ما يجعل الصورة أكثر تعقيداً هو أن الجنوب لم يعد مرتبطاً بلبنان وإسرائيل وحدهما. فبعد لقاء بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب في البيت الأبيض, وما نُقل عن أجواء إيجابية وعدم طرح شروط أميركية تتعلق بانسحابات إسرائيلية من لبنان أو سوريا أو غزة, يبدو أن هامش الحركة أمام إسرائيل لا يزال واسعاً. 

وفي المقابل, يدرس ترامب خيارات الرد على الهجوم الصاروخي الإيراني الذي استهدف القوات الأميركية في الأردن, وسط طرح عسكري لحملة جوية واسعة قد تستمر بين عشرة و14 يوماً.

وهذا يعني أن أي مواجهة أميركية ـ إيرانية واسعة ستضع لبنان أمام بيئة إقليمية أكثر توتراً, لأن ساحات المنطقة مترابطة, وأي تصعيد في إيران أو العراق أو اليمن قد ينعكس على حسابات إسرائيل في لبنان.

لذلك, فإن المعركة الحالية ليست فقط على جرافة أو موقع عسكري, بل على شكل المرحلة المقبلة. إسرائيل تريد تفاوضاً لا يجبرها على الانسحاب سريعاً, مع إبقاء يدها العسكرية طليقة, بينما يحاول لبنان استخدام التفاوض للوصول إلى انسحاب ووقف للاعتداءات وعودة الأهالي.

وبينما يتحرك عون دبلوماسياً من بعبدا إلى تركيا وروما, ويعمل بري على إبقاء المسار التفاوضي قائماً رغم تشاؤمه, تبقى إسرائيل تختبر حدود وقف إطلاق النار بالنار. والسؤال الذي سيحدد المرحلة المقبلة ليس فقط كيف سيكون الرد الإسرائيلي على استهداف الجرافة, بل ما إذا كان هذا الرد سيبقى رسالة محسوبة, أم يتحول إلى خطوة جديدة في مسار تصعيد قد يجعل من "اتفاق الإطار" مجرد عنوان لمفاوضات طويلة, فيما تستمر الوقائع على الأرض في الاتجاه المعاكس.

Alraii news online
  • الاقسام
      • محليات
      • قضاء
      • فنون و تراث
      • علوم وتكنولوجيا
      • صحة
      • سياسة
      • رياضة
      • خاص
      • تربية
      • بيئة
      • بلديات
      • بلديات
      • العالم العربي
  • محليات
  • قضاء
  • سياسة
  • رياضة
  • خاص
  • بيئة
  • بلديات
  • إستطلاع رأي
  • فيديوهات
  • اتصل بنا
  • الصفحة الرئيسية
  • تشاؤم عين التينة يواكب جولة روما!

تشاؤم عين التينة يواكب جولة روما!

Jul 30, 2026
تشاؤم عين التينة يواكب جولة روما!











مقالات ذات صلة
خط أحمر يختبر الجميع!
خط أحمر يختبر الجميع!
حين تتعثر الدبلوماسية... تتحدث الغارات
حين تتعثر الدبلوماسية... تتحدث الغارات
افتتاحية الرأي - ماذا تريد إسرائيل من ترسيم الحدود البرية؟
افتتاحية الرأي - ماذا تريد إسرائيل من ترسيم الحدود البرية؟
هدنة ترامب... ومفاوضات روما تحت المجهر
هدنة ترامب... ومفاوضات روما تحت المجهر
إعلان
Contact
Bekaa Zahle Lebanon
info@alraiionline.com
+961 8 920711
+961 3 083636
Join with us
جريدة الرأي 2016 ©
Site by MIP