كتبت زينب محسن في الرّأي...

بجملة واحدة تختصر توازنات الشك واليقين, رسم رئيس مجلس النواب نبيه بري سقف الموقف اللبناني من "اتفاق الإطار". "خلّيهم يحطّوا على عيني ويسكّتوني"؛ لم تكن هذه العبارة مجرد تعبير تهكمي, بل كانت بمثابة "فخ ذكي" نصبه بري للجميع. هو لم يُسقط الاتفاق بضربة قاضية, ولم يمنحه صك غفران, بل ألقى بكرة في ملعب النتائج. لكن خلف هذه الكواليس الدبلوماسية, يدور سؤال حارق: هل تحولت المفاوضات من أداة للحل إلى مظلة دولية لإدارة الأزمة وتمرير الوقت؟

في الآونة الأخيرة, تحول الفضاء الإعلامي اللبناني إلى ساحة حرب موازية؛ تسريبات متلاحقة ومواقف حاسمة تُنسب إلى رئيس الجمهورية جوزاف عون قبيل كل محطة تفاوضية. من بيروت إلى روما, يتردد صدى نبرة بعبدا الصارمة: لا مساومة على شبر واحد, الجيش ينتشر, والاحتلال ينسحب. لكن على الأرض, كانت الجغرافيا تكتب رواية أخرى بالنار؛ بينما تواصل الجرافات والدبابات الإسرائيلية قضم الأرض وإحراق القرى, ضاربةً بعرض الحائط كل ما اتُّفِق عليه خلف الكواليس.

يجد الرئيس عون نفسه في موقع المدافع الشرس عن خيار التفاوض, ليس من باب التفاؤل المفرط, بل من بوابة "الواقعية المُرّة"؛ فالرجل يدرك تماماً أن البديل عن الطاولة هو الانزلاق نحو حرب شاملة لن تُبقي في لبنان حجراً على حجر. وباستحضاره لإرث الإمام موسى الصدر, يوجه عون رسالة بالغة الدلالة: حماية الجنوب والسيادة لن تمر إلا عبر بوابة الشرعية ومؤسسات الدولة, لا عبر تحويل القرى اللبنانية إلى "أوراق بريد" لصراعات المحاور الإقليمية. 

هي معركة لتكريس الدولة كمرجعية حصرية, لكنها معركة تصطدم بجدار وقائع ميدانية قاسية تفرضها الآلة العسكرية الإسرائيلية.

تحت أضواء العاصمة الإيطالية, لم يعد التفاوض يدور حول "متى وكيف ينسحب الاحتلال", بل انزلق إلى تفاصيل خطيرة تُعرف بـ "المناطق التجريبية". هذا الطرح, الذي ترعاه واشنطن وتتبناه تل أبيب, يطرح معادلة ملغومة تقوم على اختيار بلدات معينة جنوب نهر الليطاني (غير محتلة أصلاً!) لتكون "حقلاً تجريبياً" لانتشار الجيش اللبناني, وخلوّها تماماً من أي سلاح غير شرعي. وتخشى بيروت أن تتحول هذه "التجربة" إلى سابقة يُبنى عليها, بحيث يصبح كل انسحاب إسرائيلي مستقبلي مشروطاً باختبارات أمنية متتالية يُطلب من لبنان اجتيازها أولاً. 

وهنا يبرز اعتراض نبيه بري الصارم؛ فالرجل يرى في هذه الصيغة "ممرًا إجباريًا" لجر الجيش إلى احتكاك مباشر وصدام أهلي مع بيئة حزب الله, مما ينقل الصراع من مواجهة مع العدو إلى فتنة داخلية مدمرة.

وفي الوقت الذي ترى فيه واشنطن في الآلية التجريبية المدخل العملي الوحيد لتطبيق الروح الحقيقية للقرار 1701 وتضغط باتجاه تنسيق تفصيلي مع قيادة الجيش لترتيب هذا الانتشار وتجنب الاصطدام, تتعامل تل أبيب مع التفاوض كأداة لانتزاع ما عجزت عن فرضه بالدبابات. 

إنها تريد تحويل الجيش اللبناني إلى "حارس حدود" تحت رقابة دولية-أميركية مشددة, صانعةً بذلك منظومة أمنية تملك فيها إسرائيل دائماً حق الفيتو لتعليق انسحابها تحت ذريعة "تقييم السلوك اللبناني".

ولا يمكن قراءة المشهد اللبناني بمعزل عن النيران المشتعلة في الإقليم. فالمفاوضات تجري على وقع سيناريو "يوم القيامة الإقليمي" بعد انهيار التهدئة الأميركية-الإيرانية التي رعتها باكستان, حيث تتصاعد الضربات الأميركية في عمق إيران والتطويق البحري للموانئ, بالتوازي مع ردود إيرانية تستهدف القواعد الأميركية في الخليج واستهداف ناقلات النفط في مضيق هرمز. 

وفي هذا التوقيت الحرج, جاء موقف الرئيس عون المتضامن بوضوح مع السعودية, دول الخليج, والأردن بعد الهجمات الأخيرة, ليرسم خطاً أحمر للسياسة الخارجية اللبنانية: لبنان الرسمي يرفض الانتحار في محرقة المحاور, ويتمسك بعمقه العربي كدرع لحماية ما تبقى من كيان الدولة.

يقف لبنان اليوم على حبل مشدود بين سلطة رسمية ترى في التفاوض خيارها الدبلوماسي الأخير, ومعارضة تعتبر هذا الرهان مجرد "شراء للوقت" يخدم استراتيجية التدمير الإسرائيلية. 

وأمام هذا الانقسام, تبقى العبارة الافتتاحية لنبيه بري هي البوصلة الوحيدة لمعرفة الحقيقة: "خلّيهم يحطّوا على عيني ويسكّتوني". فالنصر أو الخسارة لن يُصنعا في صالونات روما أو عبر التسريبات الصحفية, بل ستحددهما الأيام القادمة على جبهة الجنوب: إما انسحاب كامل واستعادة للسيادة, وإما بقاء الحال على ما هو عليه... تفاوضٌ تحت النار, ونارٌ تأكل التفاوض.

Alraii news online
  • الاقسام
      • محليات
      • قضاء
      • فنون و تراث
      • علوم وتكنولوجيا
      • صحة
      • سياسة
      • رياضة
      • خاص
      • تربية
      • بيئة
      • بلديات
      • بلديات
      • العالم العربي
  • محليات
  • قضاء
  • سياسة
  • رياضة
  • خاص
  • بيئة
  • بلديات
  • إستطلاع رأي
  • فيديوهات
  • اتصل بنا
  • الصفحة الرئيسية
  • بلديات
  • “النتائج لا التصريحات”… اختبار جدي لاتفاق الإطار!

“النتائج لا التصريحات”… اختبار جدي لاتفاق الإطار!

Jul 14, 2026
    “النتائج لا التصريحات”… اختبار جدي لاتفاق الإطار!











مقالات ذات صلة
اجتماع حكومي برئاسة سلام لبحث تسريع إعمار النبطية!
اجتماع حكومي برئاسة سلام لبحث تسريع إعمار النبطية!
بلدية زحلة توضح حقيقة المواد المنقولة إلى المطمر: غير خطرة ولم تُطمر
بلدية زحلة توضح حقيقة المواد المنقولة إلى المطمر: غير خطرة ولم تُطمر
بلديّة زحلة تحصد الجائزة السنويّة للشبكة الدوليّة للمدن الخالية من النفايات
بلديّة زحلة تحصد الجائزة السنويّة للشبكة الدوليّة للمدن الخالية من النفايات
زحلة قدّمت نموذجًا ناجحًا في تنشيط السياحة وإحياء المدينة بالفن والثقافة من خلال “Zahle by Night”
زحلة قدّمت نموذجًا ناجحًا في تنشيط السياحة وإحياء المدينة بالفن والثقافة من خلال “Zahle by Night”
إعلان
Contact
Bekaa Zahle Lebanon
info@alraiionline.com
+961 8 920711
+961 3 083636
Join with us
جريدة الرأي 2016 ©
Site by MIP