كتبت زينب محسن في الرّاي...

"الحرب بعد الحرب", كلمة قالها أحدهم وارتسمت في الذاكرة, ففعلاً تدبير الأمور بعد الحرب هو الأصعب. واليوم, ترتسم في المنطقة ملامح إيجابية بعد أن صرّح الإعلام العبري بنفسه عن احتمال انسحاب جيش الاحتلال من جنوب لبنان خلال أيام, في خطوة فُسرت على أنها نتاج ضغط أميركي مباشر. 

فواشنطن, التي ترعى هذا الاتفاق وتدفع باتجاه إنجاحه حتى وإن نُقلت قنواته إلى روما, تبدي اهتماماً واسعاً بهندسة ترتيبات ما بعد القتال. 

وكي لا نخفي سراً, فإن جميع الدول العربية تترقب باهتمام بالغ ملف الجنوب, وتصر على إنهاء أي شكل من أشكال الاحتلال, معلنة معارضتها الصريحة لأي صيغة اتفاق تحمل طابع التنازل لإسرائيل.

وهنا يبرز جوهر السؤال: لماذا يبدو هذا التوقيت حرجاً إلى هذا الحد؟ الإجابة تكمن في الحراك الدبلوماسي للرئيس جوزيف عون, الذي يحاول قبيل لقاء الخامس عشر من الشهر الجاري الذهاب إلى طاولة البحث من موقع قوة, وفرض شرط الانسحاب الإسرائيلي من المناطق التجريبية كأمر واقع مقابل عقد جلسة روما, محاولاً كسر المعادلة السابقة التي لطامها أجبرت فيها إسرائيل الجانب اللبناني على التنازل. فهل تخضع تل أبيب هذه المرة للضغط الأميركي والمطالب اللبنانية, أم يذهب عون إلى استحقاقاته القادمة دون تحقيق هذا المطلب الأساسي؟ الإجابة ستحددها الأيام المقبلة, في وقت يحضر فيه الرئيس اللبناني رزمة مطالب استراتيجية لحملها معه إلى العاصمة الأميركية قبيل لقائه المرتقب مع الرئيس دونالد ترامب في الحادي والعشرين من الشهر الحالي.

معركة "المناطق التجريبية"  تتجاوز في عمقها التكتيكي مسألة بضعة كيلومترات حدودية؛ إنها صراع مبدئي على نموذج "السيادة البديلة" في الجنوب الإقليمي. 

الرفض العربي القاطع لأي اتفاق تنازلي لا ينطلق من رغبة في العرقلة, بقدر ما ينبع من إدراك تاريخي بأن التنازل أمام إسرائيل في صياغة الأمن الحدودي سرعان ما يتحول إلى "حق مكتسب" يشرعن الاختراقات والاعتداءات المستمرة, وهو ما ترفضه العواصم العربية التي ترى في استقلال القرار اللبناني وبسط سلطة الدولة دون قيد أو شرط صمام الأمان الوحيد للمنطقة ككل. ومن هنا, يصبح شرط لبنان بالانسحاب المسبق هو خط الدفاع الأول عن كرامة المفاوضات وجديتها.
على الضفة الأخرى, تجد تل أبيب نفسها محاصرة بين فكي كماشة: ضغط البيت الأبيض المستعجل لإغلاق ملف الجبهة اللبنانية كإنجاز خارجي لإدارة ترامب, وتخوفها من التخلي عن أوراق القوة الميدانية في ظل مناخ إقليمي متفجر مع إيران. 

نقل المفاوضات إلى روما كان محاولة إسرائيلية بامتياز للالتفاف على العيون الأميركية الراصدة في واشنطن, لكن الإصرار اللبناني, المدعوم بالتقارير الميدانية الدقيقة لقيادة الجيش, أثبت أن الهروب الجغرافي لا يلغي الالتزامات التنفيذية. 

إن تخوّف إسرائيل من بدء الانسحاب هذا الأسبوع, وتجميدها للعمليات الحساسة بأمر أميركي, يؤكد أن هامش المناورة لديها بات يضيق, وأن "الخضوع" للمطالب اللبنانية لم يعد خياراً مستحيلاً بل مساراً تفرضه حسابات المصالح الكبرى.

هذا التجاذب الميداني والدبلوماسي يضع الرئيس جوزيف عون في موقع الممسك بخيوط اللعبة قبيل مغادرته إلى العاصمة الأميركية. إن تحقيق شرط الانسحاب قبل جلسة روما ليس مجرد انتصار معنوي, بل هو الورقة الرابحة التي سيضعها عون على طاولة البيت الأبيض في الحادي والعشرين من تموز. رزمة المطالب اللبنانية لن تُكتب بمداد الاستجداء, بل بلغة السيادة؛ حيث سيطالب لبنان بضمانات أميركية صارمة لمنع الاعتداءات, وتأمين غطاء مالي وتسليحي دولي واسع لتمكين الجيش اللبناني من ملء أي فراغ لوجستي, وضمان عودة آمنة ومستقرة لأهل الجنوب إلى قراهم. إنها رحلة البحث عن "سلام الأقوياء" في زمن ترسم فيه القوة والملفات الميدانية حدود السياسة.

وفي هذا المشهد الشديد التعقيد, لا يمكن فصل الملف اللبناني عن فتيل الانفجار الأكبر القابع بين واشنطن وطهران, حيث تحوّلت لغة التصعيد بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والقيادة الإيرانية إلى محرك أساسي لكافة الجبهات المفتوحة في المنطقة. 

فالتهديدات النارية التي أطلقها ترامب عبر منصته, متحدثاً عن جهوزية "ألف صاروخ" موجهة نحو الجمهورية الإسلامية وتفويض الجيش الأميركي بتدمير البنى التحتية الإيرانية بالكامل في حال حدوث أي محاولة لاغتياله, تعكس ذروة التوتر والعداء الشخصي والسياسي الذي يطبع هذه المرحلة, وتضع المنطقة بأسرها على حافة مواجهة شاملة يخشى البيت الأبيض نفسه من خروج شرارتها عن السيطرة.
هذا الكباش الأميركي الإيراني لا يقتصر على لغة التهديد العسكري فحسب, بل يمتد إلى حرب الأوراق الدبلوماسية الممزقة ومذكرات التفاهم الهشة. 

فرسائل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التي أكد فيها التزام طهران بكلمتها, محملًا واشنطن مسؤولية خرق الاتفاقات عبر تعزيز وجودها العسكري في المنطقة ونشر قوات إضافية, تعكس رغبة إيرانية في إظهار الندية وعدم الانكسار أمام لغة الإملاءات الأميركية, وهو ما تُرجم بوضوح في النفي القاطع لطلب طهران أي مفاوضات مباشرة مع إدارة ترامب. هذا الانسداد الدبلوماسي الكامل يجعل من الساحة اللبنانية ساحة لتوجيه الرسائل غير المباشرة وفحص النوايا, حيث تدرك واشنطن أن لجم التصعيد في الجنوب اللبناني وسحب الذرائع من إسرائيل هو خطوة حيوية لمنع انجرار المنطقة إلى تلك المواجهة الكبرى مع إيران.

Alraii news online
  • الاقسام
      • محليات
      • قضاء
      • فنون و تراث
      • علوم وتكنولوجيا
      • صحة
      • سياسة
      • رياضة
      • خاص
      • تربية
      • بيئة
      • بلديات
      • بلديات
      • العالم العربي
  • محليات
  • قضاء
  • سياسة
  • رياضة
  • خاص
  • بيئة
  • بلديات
  • إستطلاع رأي
  • فيديوهات
  • اتصل بنا
  • الصفحة الرئيسية
  • سياسة
  • اختبار لكرامة المفاوضات…رزمة مطالب في جعبة عون إلى البيت الأبيض!

اختبار لكرامة المفاوضات…رزمة مطالب في جعبة عون إلى البيت الأبيض!

Jul 11, 2026
اختبار لكرامة المفاوضات…رزمة مطالب في جعبة عون إلى البيت الأبيض!











مقالات ذات صلة
    أميركا تعلّق على موقف قاسم!
أميركا تعلّق على موقف قاسم!
أين واشنطن من أفعال إسرائيل؟
أين واشنطن من أفعال إسرائيل؟
    تفهّم أميركي للتصعيد الإسرائيلي في لبنان!
تفهّم أميركي للتصعيد الإسرائيلي في لبنان!
    إيران تلوّح بشروط لفتح هرمز!
إيران تلوّح بشروط لفتح هرمز!
إعلان
Contact
Bekaa Zahle Lebanon
info@alraiionline.com
+961 8 920711
+961 3 083636
Join with us
جريدة الرأي 2016 ©
Site by MIP