كتبت أسسل درويش

مع انتهاء مسار التفاوض الإيراني–الأميركي, تم الإعلان عن وقف إطلاق نار شامل يُفترض أنه يشمل كافة الجبهات في المنطقة, بما فيها لبنان, كجزء من مسار دبلوماسي واسع يسعى لتثبيت التهدئة. لكن منذ الساعات الأولى لصباح اليوم, بدا أن الواقع الميداني في الجنوب يرفض الالتزام بهذه التفاهمات, وأن الاتفاقات, رغم ما كُتِب على الورق, لم تصل بعد إلى أرض اللبنانيين.
سارع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو إلى التصريح بأن وقف إطلاق النار لا يشمل جبهة لبنان, وهو تصريح تلاه مباشرة سلسلة غارات استهدفت المدنيين العائدين إلى قراهم. أسفر ذلك عن سقوط عدد من الشهداء المدنيين واعتداءات سافرة في الصباح, في مشهد يؤكد أن الاتفاقات لم تُطبّق عملياً, وأن الجنوب لا يزال خارج حسابات التهدئة.
علماً ان وفق الاتفاقية التي عرضها الرئيس الباكستاني ووقّع عليها الرئيس ترامب وتلاها, نصّت صراحةً على شمول جبهة لبنان ضمن التهدئة ووقف اطلاق النار.
رداً على هذا الواقع, أصدرت بعض البلديات الجنوبية تعليمات لأهلها بعدم العودة إلى مناطقهم أو التوجه نحو الضاحية والبقاع, فيما سارعت هيئة الإعلام في حركة "أمل" إلى توجيه تنبيهات مماثلة للجنوبيين, تحذيراً من المخاطر المباشرة على حياتهم.
على الجانب الاقتصادي, لا يبدو الوضع أفضل عند المعابر الحدودية, حيث أنجزت الجمارك اللبنانية معاملات نحو 90 شاحنة كانت تنتظر في باحة الجمارك تمهيداً لدخول الأسواق المحلية, بينما لا تزال أكثر من 450 شاحنة عالقة بانتظار استكمال الإجراءات. أما معبر المصنع الحدودي, فظل مقفلاً منذ صدور إنذار باستهدافه الأسبوع الماضي, رغم تجميد التهديد لاحقاً, ما تسبب بشلل اقتصادي واضح وتعطّل حركة المسافرين والبضائع, وسط تخبط وإرباك على الخط الحدودي, في وقت دخلت عشرات الشاحنات الأردنية الفارغة إلى لبنان في مشهد يكرس الفوضى الإدارية.
بين جنوبٍ لا يلتزم أحد بحمايته, ومعابر اقتصادية تختنق, يقف لبنان اليوم على مفترق خطر: اتفاقات على الورق, لكنها غير قابلة للتطبيق, وأزمات ميدانية واقتصادية تُلحق الضرر مباشرة بالمدنيين. هذا الواقع يطرح السؤال الأعمق: ما قيمة التفاهمات الدولية إذا لم تشمل من هم في قلب الخطر, وإذا كانت دماء الناس خارج ميزان أي اتفاق؟ لبنان اليوم, كما الجنوب ومعبر المصنع, يثبت أن الورق وحده لا يحمي أرضه ولا شعبه وبانتظار توضيحات رسمية توقف هدر ارواح المدنيين...