كتبت زينب محسن في الرّأي:

عاد الرئيس سعد الحريري إلى بيروت على وقع ترقّبٍ سياسي كثيف, فيما الشارع السنّي ومعه جزء واسع من القوى السياسية ينتظر ما سيقوله في الذكرى الحادية والعشرين لاغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. المشهد لم يكن عاطفياً فقط؛ كان مشهداً سياسياً بامتياز. مواكب في الشوارع, حضور شعبي في ساحة الشهداء, واستعادة لذاكرة 14 شباط كعنوان لمرحلة كاملة من الصراع على هوية الدولة.
لكن الذكرى هذا العام تتجاوز البعد الرمزي. إنها لحظة اختبار: هل يعود "تيار المستقبل" إلى المعركة الانتخابية, أم يكرّس خيار الابتعاد؟ قرار الحريري لن يبقى محصوراً بإطار حزبي, بل سيعيد رسم توازنات داخل الطائفة السنية, ويؤثر مباشرة في شكل التحالفات الوطنية المقبلة. لذلك بدا الغموض مقصوداً, والتسريبات غائبة, وكأن القرار يُحضَّر ليُعلن دفعة واحدة من أمام الضريح.
وفي هذه المناسبة التي تختصر ذاكرة وطن, استعاد رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون صورة رجلٍ لم يكن مجرد رئيس حكومة, بل مشروع دولة متكامل. فالرئيس الشهيد رفيق الحريري, كما قال عون, كرّس حياته لإعادة إعمار لبنان, ولتعزيز حضوره في محيطه العربي وعلى الساحة الدولية, مؤمناً بأن الدولة هي الإطار الجامع, وأن العيش المشترك ليس شعاراً بل قاعدة وجود, وأن النهوض الحقيقي يبدأ من الاستثمار في الإنسان, في التعليم, وفي اقتصادٍ منتج يفتح أبواب الأمل .وشدد على أن الوفاء لذكراه لا يكون بالكلمات وحدها, بل بتجديد الالتزام بقيام دولة قوية وعادلة, تحكم بالقانون, تصون وحدتها الوطنية, وتضع مصلحة لبنان فوق كل اعتبار.
في بيروت, تنعقد جلسة مجلس الوزراء على وقع هذه التحولات. بند حصر السلاح يتصدر جدول الأعمال, مع عرض يقدمه قائد الجيش العماد رودولف هيكل, قبيل مؤتمر دعم الجيش في باريس واجتماع الدوحة التحضيري بمشاركة دول فاعلة. الرسالة مزدوجة: تعزيز دور المؤسسة العسكرية, وتأكيد مرجعية الدولة في ملف حساس يرتبط مباشرة بالاستقرار الداخلي.
الجلسة نفسها تبحث في تصحيح رواتب القطاع العام ومنح دعم مالي للعسكريين العاملين والمتقاعدين, في محاولة لاحتواء الاحتقان الاجتماعي. رئيس الحكومة نواف سلام يشارك في مؤتمر ميونيخ للأمن قبل عودته إلى بيروت.
رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون شدد على إجراء الانتخابات في موعدها, داعياً إلى استثمار الفرص بدل إهدارها في الخلافات. موازاة ذلك, أعاد فتح ملف اكتظاظ السجون, في إشارة إلى أن الإصلاح القضائي والإنساني جزء لا يتجزأ من معركة استعادة الثقة بالدولة.
على خط العلاقات الخارجية, يصل الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير إلى بيروت حاملاً رسالة دعم أوروبي للاستقرار, في وقت يواجه فيه لبنان تحديات اقتصادية وأمنية متراكمة.
وفي موازاة ذلك, أُنجز اتفاق مؤقت مع سوريا لإعادة حركة الشاحنات عبر معبر المصنع, بعد تحركات نقابية عطلت العبور, على أن تُعتمد آلية انتقالية قائمة على المعاملة بالمثل ريثما تُقر صيغة دائمة.
اجتماع هذه الملفات في لحظة واحدة ليس صدفة. لبنان يقف عند تقاطع استحقاق داخلي يتمثل بالانتخابات, وتحولات إقليمية قد تعيد رسم المشهد الاستراتيجي. من ملف حصر السلاح إلى دعم الجيش, من الرواتب إلى أزمة السجون, من المنازل المتصدعة في طرابلس إلى حركة الشاحنات على الحدود, تتكثف صورة دولة تحاول إدارة أزماتها بالتوازي مع مراقبة رياح الخارج
لكن الداخل لا يتحرك بمعزل عن الإقليم. اللقاء الذي جمع الرئيس الأميركي دونالد ترامب برئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو أعاد وضع المنطقة على إيقاع الاحتمالات المفتوحة: صفقة مع إيران بشروط صارمة, أو تصعيد محسوب. ترامب تحدث عن أولوية الاتفاق, فيما شدد نتنياهو على تضمين أي تسوية ملفي الصواريخ والنفوذ الإقليمي. هذا التباين لا ينفصل عن لعبة توزيع أدوار, فيما تبقى الساحات المحيطة, ومنها لبنان, عرضة لتداعيات أي تبدّل في قواعد الاشتباك. دخول رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط على خط التعليق الكاريكاتوري يعكس قراءة لبنانية دقيقة لتأثير تل أبيب في القرار الأميركي.
هكذا, تتداخل الذاكرة بالسياسة, والعاطفة بالحسابات. خطاب سعد الحريري المنتظر سيحمل جواباً على سؤال المشاركة, لكنه في العمق سيحدد اتجاه مرحلة كاملة. وبين قراءة الرئاسة لمعنى الذكرى كالتزام بالدولة, وترقّب الشارع لقرار "المستقبل", يقف لبنان أمام لحظة مفصلية: إما إعادة إحياء مشروع الدولة الذي حمله رفيق الحريري, أو الاستمرار في إدارة التوازنات الهشة بانتظار تسويات الخارج.