كتبت زينب محسن في الرّأي:

في وقت تشهد فيه المنطقة ضغوطًا متصاعدة, برزت رسائل لبنانية رسمية متزامنة من أعلى المستويات السياسية, حملت صرامة واضحة تجاه أي مغامرة قد تجرّ لبنان إلى صراعات إقليمية جديدة, فالمواقف الصادرة عن رئيس الجمهورية جوزف عون ورئيس الحكومة نواف سلام ونائب رئيس الوزراء طارق متري لم تكن مجرد تصريحات عابرة, بل تجسيد لسياسة واضحة التمسك بحصرية السلاح بيد الدولة, ورفض أي مغامرة قد تُستدرج البلاد إلى حرب إضافية, في وقت تتزايد فيه التحديات الإقليمية
خلف هذه المواقف, تشير مصادر دبلوماسية إلى أن الدولة أبلغت "حزب الله" مباشرة التحذيرات الرسمية, مؤكدة أن هناك إجماعًا لبنانيًا غير مسبوق على رفض إدخال البلاد في أي مغامرة عسكرية. التحذيرات الداخلية تتزامن مع استعداد المجتمع الدولي, وخصوصًا فرنسا, لدعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي, من خلال زيارة وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو, التي تأتي في سياق التحضيرات لمؤتمر دعم الجيش المقرر عقده في باريس خلال آذار المقبل, بمشاركة نحو خمسين دولة وعدد من المنظمات الدولية.
هذا المؤتمر يشكل اختبارًا عمليًا لمصداقية الدولة اللبنانية أمام المجتمع الدولي, حيث يتم التركيز على دعم الجيش اللبناني في تثبيت سيادة الدولة وبسط سلطة القانون على كامل الأراضي, مع تخفيف العبء عن القوات المسلحة لتتمكن من التركيز على القضايا الأمنية الكبرى, لا سيما على الحدود الجنوبية. وفي الوقت نفسه, يضع هذا الدعم لبنان في موقع يفرض فيه سيادته ويعزز قدراته الدفاعية, بعيدًا عن أي محاولات اخرى
على الجانب الأميركي, يبرز النشاط المكثف في واشنطن, حيث التقى قائد الجيش العماد رودولف هيكل مسؤولين في البنتاغون والكونغرس, ضمن جلسة استماع ناقشت السياسة الأميركية تجاه لبنان وسبل مواجهة نفوذ "حزب الله". النائب مايك لولر دعا إلى استغلال الفرصة لإضعاف نفوذ الحزب, فيما شدّد خبراء على ضرورة ربط الدعم الدولي بالنتائج الفعلية على الأرض, بما يشمل السيطرة على الشبكات المالية والسياسية للحزب, وليس فقط البعد الأمني..
الرئيس عون يؤكد أن حصرية السلاح وفرض القانون هما الركيزتان الأساسيتان لبناء الدولة واستعادة ثقة الخارج بلبنان, وأن أي خطوة سياسية أو اقتصادية يجب أن تسبقها مكاسب أمنية واضحة, تشمل وقف الاعتداءات الإسرائيلية, انسحاب القوات المحتلة من الجنوب, إعادة الأسرى, وتثبيت الهدوء على الحدود. في الوقت ذاته, يحرص على تدوير الزوايا وتجنب أي مواجهة مفتوحة, مؤكدًا أن الاستقرار في الجنوب هو المدخل الطبيعي لأي تفاوض سياسي لاحق.
من دبي, يوضح رئيس الحكومة سلام أن استعادة السيادة ليست شعارًا, بل مسار عملي يرتبط بالأمن والاستقرار وبناء الدولة, مؤكدًا قدرة الجيش اللبناني على فرض السيطرة العملية على الجنوب لأول مرة منذ عقود. وبدوره, أكد نائب رئيس الحكومة طارق متري على التمسك بحصر السلاح في يد الدولة ورفض أي محاولة لاستغلال لبنان كورقة في نزاع إقليمي, معبّرًا عن أمله بأن يتحلى "حزب الله" بالعقلانية في حال اندلاع أي مواجهة ضد إيران.
على الجانب الآخر, يواصل "حزب الله" تمسكه بموقفه, مؤكّدًا استعداد الحزب لمناقشة مواجهة إسرائيل ضمن إطار المقاومة, ورافضًا أي ضغوط دولية, في حين يهاجم بعض الأطراف اللبنانية التي يصفها بمحاولة جر البلاد إلى الفتنة.
الملف الدبلوماسي يزداد تعقيدًا مع محاولات أميركية وإسرائيلية للضغط على لبنان لإجراء مفاوضات ثلاثية حول الشق السياسي والاقتصادي, بعيدًا عن أي إطار دولي أو شرعي, في حين يتمسك لبنان بالميكانيزم كإطار شامل للتفاوض العسكري, رافضًا أي نقاش سياسي أو اقتصادي قبل تحقيق الحد الأدنى من المطالب الأمنية. هذه المعضلة تجعل الوضع جامدًا في الوقت الراهن, مع استمرار البحث عن صيغة توافقية تضمن احترام السيادة اللبنانية وأولوية الأمن على أي أهداف سياسية أخرى.
من جهة أخرى, رأت مصادر رسمية أن جلسة مجلس الوزراء المقبلة, بعد عودة قائد الجيش العماد رودولف هيكل من واشنطن, ستكون حاسمة في تحديد مسار خطة حصر السلاح شمال الليطاني. وأكدت المصادر أن هيكل جاهز عسكريًا وعمليًا وميدانيًا لتنفيذ خطته فور الحصول على ضوء أخضر واضح وغطاء كامل من الحكومة, مشيرة إلى أن أكثرية مجلس الوزراء, وعلى رأسها رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام, تميل إلى المضي قدمًا في اعتماد الخطة, وتكليف العماد هيكل مباشرة بتنفيذها على الأرض. وقد اعتبرت المصادر أن هذا التوافق الحكومي يشكل مؤشرًا قويًا على إرادة الدولة تعزيز سيادتها وفرض سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية.
وفي هذا السياق, يشكل مؤتمر دعم الجيش اللبناني, وجهود قوى الأمن الداخلي, المرحلة الحاسمة لقياس قدرة الدولة على فرض سيادتها واستعادة ثقة المجتمع الدولي, وهي بوابة إلزامية لأي دعم عربي ودولي مستقبلي. فالنجاح في هذه المرحلة لا يقتصر على بناء قوة عسكرية أو أمنية, بل يمتد إلى القدرة على فرض لبنان كطرف مستقل, قادر على حماية شعبه وتحديد شروط مشاركته في أي تحولات إقليمية أو تفاوضية, بعيدًا عن الانجرار إلى أي مغامرات خارجية تحمل كلفة باهظة.
إن المرحلة المقبلة, بكل تفاصيلها الأمنية والدبلوماسية والسياسية, تشكل اختبارًا حقيقيًا لمصداقية الدولة اللبنانية, وقدرتها على فرض إرادتها, وموازنة الضغوط الدولية, وضمان حماية مصالح شعبها, في وقت يراقب العالم تحركاتها عن كثب, ويقيس كل خطوة على أنها مؤشر لقدرتها على إدارة لبنان في خضم منطقة ملتهبة, مع الحفاظ على الاستقرار الداخلي والتقدم نحو استعادة الثقة بالدولة ومؤسساتها.