كتبت زينب محسن في الرّأي:

شهدت الفترة الأخيرة تصاعدًا في الجدل بين الرئيس جوزاف عون وبعض مناصري حزب الله, خصوصًا على وسائل التواصل الاجتماعي, بعد هجمات كلامية شنّها عدد من المناصرين والإعلاميين المرتبطين بالحزب على رئيس الجمهورية. وردّ جمهور شيعي على هذه الهجمات مستنكرًا التهجم ومهاجمًا منتقدي الحزب.
وفي هذا الإطار, تدرس رئاسة الجمهورية إمكانية اتخاذ إجراءات قانونية ضد من يوجّه شتائم علنية للرئيس, إذ ينص القانون اللبناني على أن التعرّض لرئيس الدولة يُعدّ جريمة جزائية, ما يعرض الفاعل للملاحقة, سواء بدعوى مباشرة من رئيس الجمهورية أو تلقائيًا من النيابة العامة.
هذا الصراع يأتي في وقت حساس على صعيد الداخل اللبناني, حيث تحرص الدولة على الحفاظ على الاستقرار الوطني وضبط الانقسامات الداخلية, في وقت يُواجه فيه لبنان تحديات سياسية وأمنية متعددة, تتطلب قدرة المؤسسات الرسمية على حماية سيادتها ومكانتها أمام كل الأطراف.
في وقت تُجمع فيه المؤشرات على أن المرحلة الحالية هي الأخطر منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024. الغارات الإسرائيلية الأخيرة على جنوب لبنان والبقاع لم تكن مجرد أحداث عابرة, بل رسالة واضحة بأن تل أبيب تواصل سياسة الضغط على لبنان, في وقت لا تزال فيه الدولة اللبنانية تواجه تحديات حقيقية في فرض سيادتها.
رئيس الحكومة نواف سلام وصف ما يجري بأنه أشبه بحرب استنزاف من طرف واحد, مؤكدًا أن البلاد ليست أمام حرب شاملة, لكن الظروف الراهنة تجعل أي انزلاق نحو مواجهة مفتوحة محتملاً. تعليق اجتماعات لجنة الميكانيزم لمراقبة وقف النار يزيد المخاطر, لأنه يترك فراغًا استراتيجياً في الإشراف على التفاهمات الأمنية, فيما يواصل حزب الله رفض تسليم سلاحه شمال نهر الليطاني, ما يضاعف تعقيدات الوضع.
في هذه الأثناء, يستمر الجيش اللبناني في إعداد خطة التنفيذ المتعلقة بسحب السلاح شمال الليطاني, ومن المتوقع أن يقدم قائد الجيش العماد رودولف هيكل الخطة فور عودته من واشنطن أوائل شباط, حيث ستكون خطوة مفصلية في اختبار قدرة الدولة على فرض سيادتها وحماية المدنيين. التأخير في عرض الخطة والموافقات عليها يمنح إسرائيل هامش حركة أكبر لتبرير غاراتها, ويزيد الضغط على لبنان لتسريع عملية نزع السلاح من جميع المناطق, بما يشمل مناطق لم يتم تضمينها في المرحلة الأولى.
وبالتزامن, سيشكّل هذا الملف بندًا أساسيًا على جدول أعمال اللقاء الذي سيجمع اليوم في قصر بعبدا الرئيس جوزاف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري, في ظل قلق متزايد من انعكاس التصعيد على التوازنات الداخلية. وسيتركز البحث على ضرورة ضبط الإيقاع السياسي والإعلامي, وتوحيد الموقف الرسمي في مواجهة الضغوط الخارجية المتصاعدة, خصوصاً بعد عرض خطة الجيش اللبنانية, وما قد تثيره هذه الخطة من تفاعلات داخلية وخارجية. كما سيتم تناول ملف إعادة الإعمار, الذي سيُطرح كبند أساسي على جدول أعمال أول جلسة لمجلس الوزراء بعد عودة رئيس الحكومة نواف سلام من الخارج, في محاولة لإظهار التماسك السياسي والمؤسساتي وربطه بالاستقرار الأمني والمالي.
على الصعيد الدولي, حذرت فرنسا من أي تأخير في تنفيذ المرحلة الثانية من حصر السلاح بيد الدولة, مؤكدة التزامها بسيادة لبنان واستقراره, وداعمة بالكامل للقوات المسلحة اللبنانية كركيزة للحفاظ على الأمن والاستقرار. كما شددت باريس على ضرورة استمرار عمل لجنة الميكانيزم, لضمان مراقبة وقف إطلاق النار ومنع أي انزلاق نحو مواجهات شاملة, في ظل تحركات إسرائيل المستمرة.
وفيما يخص الاقتصاد والإصلاحات, تواصل فرنسا مراقبة مدى التزام لبنان بالإصلاحات اللازمة لتعزيز سيادته وقدرته على مواجهة الأزمات, بما في ذلك إقرار قانون الفجوة المالية, باعتباره خطوة أساسية لاستعادة الاستقرار المالي والنقدي, شرطاً لمواجهة الضغوط الداخلية والخارجية.
المشهد العسكري شمال نهر الليطاني يمثل اختباراً حقيقياً للحكومة, فالاستمرار في التصعيد الإسرائيلي يفرض عليها البحث عن حلول سريعة وفعالة, لفرض سيطرة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية وحماية المدنيين, ومنع تحوّل الضغوط العسكرية إلى أزمة كبرى تهدد الاستقرار الداخلي. الغارات, وإن كانت محدودة جغرافياً حالياً, تحمل إشارات واضحة بأن المرحلة القادمة قد تشهد مزيداً من التوتر, خصوصاً إذا استمر الفراغ السياسي والعسكري, ما يجعل قدرة الدولة اللبنانية على الرد وإعادة ضبط المعادلة أولوية قصوى.
باختصار, ما يجري شمال نهر الليطاني ليس مجرد سلسلة غارات عابرة, بل رسائل متتالية لاختبار قدرة الدولة اللبنانية على حماية شعبها, وتأكيد أن أي تأخير في فرض سيادتها يمنح إسرائيل هامشاً أكبر للتحرك والضغط, في حين أن المدنيين هم الحلقة الأضعف التي تتحمل التبعات المباشرة لهذا التصعيد.